كتب المقال باللغة الإنجليزية : داهيلون ياسين محمودا 

9 مارس 2026

راجع الترجمة من الإنجليزية إلى اللغة العربية : ريدو محمد أحو

ملاحظة: 

هذه ترجمة للمقال الأصلي. و في حالة وجود أي إختلاف أو تباين، الرجاء الرجوع إلى النسخة الإنجليزية الأصلية.

https://afarvoice.org/beyond-the-battlefield-understanding-the-dynamics-of-the-u-s-israel-iran-confrontation/

ما وراء ساحة المعركة : فهم ديناميات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران

في حين أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران قد تبدو وكأنها اندلعت فجأة، فإن جذورها تعود في الواقع إلى توترات هيكلية أعمق، وتصورات أمنية إقليمية متنافسة، وتحولات أوسع في موازين القوى العالمية.

لا يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل أكاديمي صارم، بل يسعى إلى تقديم قراءة تحليلية مبسطة تساعد القارئ على فهم القوى العميقة التي تشكل هذه المواجهة. وفي هذا السياق، يستلهم المقال إطار تحليل الصراع الذي طوّره الباحث في دراسات السلام يوهان غالتونغ، والذي يدعو إلى النظر إلى ما وراء مظاهر العنف المباشر للكشف عن العوامل الهيكلية والسرديات السياسية التي تغذي الصراعات.

إن دراسة الصراعات من خلال هذه الطبقات المختلفة تساعد على تفسير سبب ظهور العديد من الأزمات وكأنها اندلعت فجأة، في حين أنها في الواقع نتاج ديناميات أعمق وأطول أمداً

نقطة التحول: حرب الاثني عشر يوماً في يونيو 2025

لم تنشأ المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران فجأة في الساعات الأولى من يوم 28 فبراير 2026. بل تمثل هذه المواجهة أحدث حلقة في سلسلة طويلة من التوترات التي تشكلت بفعل التحولات في ميزان القوى الإقليمي، والتنافس في التصورات الأمنية، والتآكل التدريجي للقيود الدبلوماسية

ما نشهده اليوم، من مواجهة عسكرية مفتوحة، ليس سوى المظهر الأكثر وضوحاً لصراع جيوسياسي أعمق.

وقد شكّلت حرب قصيرة لكنها مكثفة بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025 نقطة تحول مهمة. فقد استمرت تلك المواجهة اثني عشر يوماً، بين 13 و24 يونيو 2025، وكانت المواجهة العسكرية الأكثر مباشرة بين الدولتين منذ عقود.

شنت إسرائيل خلال تلك الحرب هجمات مفاجئة واسعة النطاق على منشآت عسكرية ونووية إيرانية، مبررة ذلك بكون البرنامج النووي الإيراني يشكل تهديداً استراتيجياً متنامياً. وردت إيران بإطلاق صواريخ على أهداف إسرائيلية، ما أدى إلى انتقال الصراع الطويل غير المباشر بين البلدين إلى مرحلة مواجهة مفتوحة.

ومع تصاعد المواجهة، تدخلت الولايات المتحدة بشن ضربات محدودة على منشآت نووية إيرانية، في الوقت الذي عززت فيه دعمها لإسرائيل في مجال الدفاع الصاروخي.

يجب فهم هذه التطورات في سياق الصراع الاستراتيجي الأوسع بين إسرائيل وإيران، وهو صراع شكّل جانباً مهماً من الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين. فما بدأ في الأصل كمنافسة غير مباشرة – عبر الوكلاء والعمليات السرية والهجمات السيبرانية – تطور تدريجياً إلى مواجهة عسكرية أكثر مباشرة.

لفهم التصعيد الحالي بصورة أفضل، يمكن تحليل الصراع عبر عدة مستويات مترابطة:

الصراع العسكري الظاهر، والتنافس الاستراتيجي بين إسرائيل وإيران، والتنافس الإقليمي الأوسع على النفوذ في الشرق الأوسط، والأبعاد الاقتصادية المرتبطة بالطاقة، والتحولات في النظام الدولي، وأخيراً الروايات والهويات التي تشكل كيفية تفسير الصراع وتعبئته سياسياً.

وعلى الرغم من عرض هذه العوامل كطبقات تحليلية منفصلة من أجل الوضوح، فإنها في الواقع مترابطة بشكل وثيق، حيث يمكن لأي تطور في أحدها أن يؤثر بسرعة في بقية الأبعاد، مشكلاً شبكة معقدة من العوامل التي تحدد مسار الصراع.

المستوى الأول: الحرب المرئية ما وراء ساحة المعركة

يتمثل المستوى الأول والأكثر وضوحاً في التصعيد العسكري المباشر. فقد تصاعدت المرحلة الحالية من الصراع مع موجة مفاجئة من الضربات الإسرائيلية والأمريكية ضد أهداف إيرانية، مما أدى إلى ارتفاع حاد في التوترات في مختلف أنحاء المنطقة.

وأصبحت الضربات الصاروخية، وهجمات الطائرات المسيّرة، والعمليات السيبرانية، والتهديدات التي تستهدف طرق الشحن الإقليمية، عناصر رئيسية في عناوين الأخبار العالمية وفي الطريقة التي يُنظر بها إلى الصراع.

وعلى هذا المستوى، تبدو المواجهة وكأنها صراع عسكري مباشر بين إسرائيل وإيران، مع مشاركة الولايات المتحدة بوصفها الشريك الاستراتيجي الرئيسي لإسرائيل.

غير أن التركيز على تبادل الضربات العسكرية وحده قد يحجب القوى الأعمق التي تغذي هذا الصراع. ولذلك، فإن فهم سبب تكرار التصعيد رغم فترات الهدوء النسبي يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة، نحو التنافس الاستراتيجي طويل الأمد الذي شكّل العلاقات بين الطرفين لعقود.

المستوى الثاني: التنافس الاستراتيجي

وراء التصعيد العسكري الظاهر يكمن تنافس استراتيجي عميق بين إسرائيل وإيران. فكل طرف لا ينظر إلى الآخر بوصفه مجرد منافس، بل باعتباره تهديداً أمنياً طويل الأمد.

لطالما حذر القادة الإسرائيليون من أن القدرات الصاروخية الإيرانية وطموحاتها النووية يمكن أن تغير بشكل جذري ميزان القوى في المنطقة. ومن وجهة نظر إسرائيل، فإن احتمال امتلاك إيران سلاحاً نووياً يمثل تهديداً استراتيجياً بعيد المدى، وربما تهديداً وجودياً، قد يغير معادلات الردع في الشرق الأوسط.

وتتشارك الولايات المتحدة وعدد من شركائها الإقليميين هذا القلق.

في المقابل، ترى إيران أن التفوق العسكري الإسرائيلي وعلاقة إسرائيل الوثيقة بالولايات المتحدة يشكلان جزءاً من محاولة أوسع لاحتواء النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.

كما يتقاطع هذا التنافس مع علاقات إيران المتوترة مع عدد من دول الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية. فعلى مدى سنوات طويلة، عكست المنافسة بين طهران والرياض اختلافات جيوسياسية وأيديولوجية أوسع، حيث يسعى كل طرف إلى التأثير في ميزان القوى الإقليمي.

ورغم بعض التهدئة الدبلوماسية في السنوات الأخيرة، فإن هذا التنافس لا يزال يؤثر في التحالفات الإقليمية ويضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى الصراع الأوسع.

المستوى الثالث: التنافس الإقليمي على النفوذ

لا يمكن فهم التنافس بين إسرائيل وإيران بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع. فالصراع جزء من منافسة إقليمية على النفوذ في الشرق الأوسط، حيث تشكل التحالفات وشبكات الوكلاء والشراكات الأمنية المتنافسة بنية ميزان القوى.

سعت إيران إلى توسيع نفوذها عبر جماعات حليفة مثل حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، والحوثيين في اليمن. وفي المقابل، عملت إسرائيل على مواجهة ما تعتبره تمدداً استراتيجياً إيرانياً في المنطقة.

وقد أصبحت مواجهة هذه الشبكات الحليفة لإيران والحد من نفوذها الإقليمي جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الإسرائيلية، إلى جانب إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في ساحات مثل سوريا وتعزيز العلاقات مع عدد من الدول العربية من خلال اتفاقيات أبراهام.

كما تتأثر هذه الديناميات بالمخاوف الأمنية لدول الخليج من تنامي القدرات العسكرية الإيرانية ونفوذها الإقليمي. ونتيجة لذلك، عززت عدة دول خليجية شراكاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، مما أدى إلى انتشار قواعد عسكرية أمريكية في أنحاء المنطقة.

وتتجاوز هذه العلاقات المجال العسكري، إذ ترتبط العديد من دول الخليج بعلاقات اقتصادية واستثمارية وثيقة مع الولايات المتحدة، مما يعزز شبكة أوسع من الاعتماد الاستراتيجي المتبادل.

في المقابل، ترى إيران أن الوجود العسكري الأمريكي في جوارها المباشر يشكل تهديداً استراتيجياً، وهو ما يفسّر جزئياً استهدافها المتكرر للقواعد الأمريكية في المنطقة.

المستوى الرابع: الطاقة والمصالح الاقتصادية

للصراع في الشرق الأوسط آثار اقتصادية عالمية واسعة. فالمنطقة لا تزال مركزاً أساسياً لأسواق الطاقة العالمية ولطرق التجارة البحرية الحيوية.

أحد أبرز مصادر القلق يتمثل في هشاشة الوضع الأمني في مضيق هرمز، وهو أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم.

يمر عبر هذا المضيق نحو خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال.

وأي اضطراب في حركة الملاحة – سواء نتيجة تصعيد عسكري أو هجمات على ناقلات النفط – يمكن أن يؤدي بسرعة إلى تأثيرات كبيرة في أسواق الطاقة العالمية.

ولهذا السبب، فإن المواجهة في المنطقة ترتبط أيضاً بالتنافس على السيطرة أو التأثير في طرق الإمداد الحيوية للاقتصاد العالمي.

المستوى الخامس: البعد الاستراتيجي العالمي

يتجاوز الصراع في الشرق الأوسط حدوده الإقليمية، إذ يتقاطع مع تحولات أوسع في النظام الدولي.

يبدو أن العالم يدخل مرحلة أكثر تنافسية وأقل استقراراً، حيث تتزايد المنافسة بين القوى الكبرى في المجالات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية.

كما تضيف المخاوف المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني بعداً عالمياً للصراع، إذ تتقاطع جهود منع انتشار الأسلحة النووية مع المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى.

وتبرز هذه الديناميات أيضاً في التقارب المتزايد بين روسيا والصين، في مقابل المنافسة المتصاعدة مع الولايات المتحدة وحلفائها.

فعلى سبيل المثال، استخدمت روسيا طائرات مسيّرة إيرانية الصنع في حربها في أوكرانيا، في حين اتهمت موسكو الولايات المتحدة وحلفاءها بدعم كييف. ويعكس ذلك كيف يمكن للصراعات الإقليمية أن تتقاطع وتتداخل مع المنافسات الجيوسياسية العالمية.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم الحرب في أوكرانيا والتصعيد حول إيران بوصفهما جزءاً من تحول أوسع في النظام الدولي، حيث يتراجع النظام الأحادي القطبية الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة لصالح نظام أكثر تنافسية وربما أكثر تعددية في مراكز القوة.

المستوى السادس: الروايات والهوية

على مستوى أعمق، لا تتشكل الصراعات فقط بفعل المصالح المادية أو الحسابات الاستراتيجية، بل أيضاً بفعل الروايات السياسية والهويات التاريخية.

غالباً ما يفسر القادة السياسيون والمجتمعات الأحداث من خلال سرديات قوية حول التهديد والمقاومة والأمن. وهذه السرديات تؤثر في كيفية فهم كل طرف لنوايا الطرف الآخر، وقد تجعل التسويات السياسية أكثر صعوبة.

في حالة الصراع بين إسرائيل وإيران، تلعب الهوية والأيديولوجيا دوراً مهماً. فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979، صاغت القيادة الإيرانية جزءاً من سياستها الخارجية في إطار خطاب المقاومة للنفوذ الغربي ودعم القضية الفلسطينية.

كما تلعب القضية الفلسطينية دوراً مركزياً في تشكيل الروايات السياسية في المنطقة، إذ تظل قضية رمزية مؤثرة في الرأي العام وفي الخطابات السياسية والإيديولوجية في الشرق الأوسط.

وفي المقابل، تتأثر التصورات الأمنية الإسرائيلية بعمق بالتجارب التاريخية، بما في ذلك إرث الحروب السابقة والشعور الدائم بوجود تهديدات وجودية.

وعندما تتقاطع المنافسات الجيوسياسية مع الهوية والأيديولوجيا والرمزية الدينية، تصبح النزاعات أكثر تعقيداً وأشد صعوبة في الحل.

الخلاصة: النظر إلى ما وراء ساحة المعركة

عند النظر إلى المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران من زاوية التصعيد العسكري فقط، قد تبدو الأزمة وكأنها اندلعت فجأة.

لكن عند تحليلها عبر طبقاتها المختلفة، تظهر صورة أكثر تعقيداً. فالضربات العسكرية التي تتصدر عناوين الأخبار ليست سوى التعبير الأكثر وضوحاً عن صراع أعمق تشكله المنافسة الاستراتيجية، والتحالفات الإقليمية، والمصالح الاقتصادية، والتحولات في ميزان القوى العالمي.

ومن هذا المنظور الأوسع، تعكس هذه المواجهة تحولاً أعمق في النظام الدولي، حيث تتراجع أنماط التعاون والاستقرار التي سادت بعد الحرب الباردة، لتحل محلها مرحلة جديدة من المنافسة الاستراتيجية بين القوى الكبرى.

إن فهم هذه الطبقات المختلفة لا يقلل من حجم المعاناة الإنسانية التي تسببها الحروب، بل يساعد على تفسير الأسباب العميقة التي تجعل مثل هذه الصراعات تستمر وتتكرر.

نبذة عن الكاتب

داهيلون ياسين محمودا هو محلل في الشؤون الجيوسياسية وديناميات الأمن والتطورات السياسية في القرن الأفريقي والشرق الأوسط.

إخلاء مسؤولية

الآراء الواردة في هذا المقال تمثل وجهة نظر الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لمنصة Afar Voice. إن نشر المقال لا يعني بالضرورة تبني Afar Voice أو فريقها التحريري للآراء الواردة 

فيه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *